dimanche 27 novembre 2022

جزيرة "تيدرة" منطلق حركة المرابطين الجهادية

il y a 3 mois


قبل ألف سنة وتحديدا في مطلع القرن الخامس الهجري كان التاريخ على موعد مع جزيرة تيدرة الواقعة على بعد 250 كلم شمال غرب نواكشوط . فعلى هذه الجزيرة أسس أبو بكر بن عمر وعبد الله بن ياسين الرباط الذي كان منطلق حركة المرابطين التي امتد نفوذها إلى الأندلس شمالا والممالك الإفريقية الوثنية جنوبا . فبعد الرفض الذي قوبلت به الحركة الإصلاحية الدينية من طرف المجتمع الموريتاني آنذاك، قرر ابن عمر وفقيه الحركة عبد الله بن ياسين اللجوء إلى جزيرة تيدرة والانعزال فيها وتأسيس الرباط . وهكذا تخندق حولهم أبناء صنهاجة وأخلاط من الأقوام وبدأوا يرسمون ملامح مستقبل جديد مغاير تماما للماضي وما أن وصل عدد المرابطين إلى 4 آلاف وقيل 12 ألفا حتى انطلقوا أولا ليسيطروا على قبائل لمتونة ومسوفة وآكدالة وهي القبائل الأكبر وقتها في البلاد قبل أن تدين لهم المنطقة ويبدأوا الزحف باتجاه الشمال (الأندلس) والجنوب باتجاه الممالك الإفريقية الوثنية التي دانت لهم ودخلت الإسلام . معركة الزلاقة من جزيرة تيدرة إذن انطلقت حركة جهادية كان لها الفضل في مد الحكم العربي الإسلامي في الأندلس أربع قرون بعد معركة الزلاقة المشهورة . التي انتصر فيها المرابطون على الإسبان كما كان لها الفضل في رفع أداء وتيرة نشر الإسلام في غرب إفريقيا . على أرض جزيرة تيدرة يقف الموريتانيون اليوم سكاناً قلائل وزائرين من مناطق داخلية أخرى، وعندما يقفون على هذه الجزيرة يكثرون المشي لعل خطوهم أن يصادف ذرة رمل وطأها المرابطون، ويتذكرون كم هي جليلة دولة المرابطين التي انطلقت من هذه الجزيرة النائمة في حضن المحيط الأطلسي . . وكم تستحق مواطئ أقدام أولئك الجدود أن يخفف الوطء احتراما لخطاهم الطاهرة . . إنها متحف التاريخ والحكايات والبطولات . . بطولات تجاوز أثرها جزيرة تيدرة الصغيرة، حيث يذكر التاريخ أن الأمير الفارع يوسف بن تاشفين لبى نداء الإخوة في الأندلس . . ومد في عمر الإسلام هناك قرونا أربعة . . ويذكر أيضا أنه من هذه الجزيرة المنسية دوت في سمع الزمان حماحم خيل وطأت سنابكها من جبال البرانس شمال شبه جزيرة أيبريا إلى مفازات الصحراء الكبرى في حوض نهر النيجر . ماذا تبقى من تيدره؟ . . طيور كثيرة قادمة من شتى أنحاء العالم تستريح فصليا هنا وفي الجزر المجاورة، وحيوانات برية قليلة ومقابر، وشواطئ غنية بمختلف أنواع الأسماك . لا أثر لأي مبان أثرية، ولا أي شواهد على أن هذه الجزيرة كانت منطلقا لحركة عظيمة كتلك التي عرفتها قبل ألف سنة . جزيرة متخمة بالماضي يقول الكاتب الموريتاني محمد الناجي ولد محمد وهو يقف على أرض الجزيرة أقف عند أحد القبور، وأقرأ الفاتحة بخشوع . . أشعر كأن ذاك القبر يختزن كل حيوات أسلافي . . أرمقهم في الشاهد العتيق، أرى أبا بكر الأمير العظيم يتنازل ليوسف طواعية عن الجزء الشمالي من الدولة . . ويتفرغ لنشر دين الله في الجنوب قبل أن يباغته سهم غادر، لينام قرير العين في جبال تكانت . . وأرى فترات المد والجزر في تاريخ بلادي، والزمان القديم لاح شريطا . ويضيف: هنا بعد أفول شمس المرابطين الأوائل بقرون، جاء الأوروبيون، البرتغاليون أولا حينما كانوا سادة البحار، فالهولنديون فالإنجليز . . جزيرة متخمة بالماضي . حاول البرتغاليون تدشين تجارة المثلث المشؤوم من هنا . . اختطفوا فتيانا من إيمراغن . . لكن أحفاد المرابطين ورثوا عن جدودهم مضاء وعريكة شَمُوسا . . كانت النهاية الدراماتيكية انتحارا جماعيا في عرض المحيط . . ومن حينها أطلق تجار النخاسة محاولة تجربة شواطئ موريتانيا كبنك للعضلات التي قامت على عرقها نهضة أوروبا . وبعد الفترة الأولى لجزيرة تيدره أوفد الهولنديون والبرتغاليون والانجليز والإسبان والفرنسيون وفي فترات متقاربة بعثات استكشاف للمنطقة ربطت علاقات تجارية مع إمارة الترارزة العربية التي تتبع لها المنطقة في ذلك الوقت . في جزيرة تيدرة واسطة العقد في جزر حوض آرغين وباقي جزر الحوض . . يمنع بتاتا دخول المواشي لكي لا تعكر صفو الحياة البرية . وتكسو شواطئ الجزيرة نباتات العرجم الذي يعد غذاء مفضلا للإبل، قبل أن تمنع الإبل من دخول الجزيرة . . وكذلك يتم فرض العديد من الشروط لحماية البيئة في حوض آرغين الذي تحول إلى محمية دولية بسبب تنوعه البيولوجي كونه أساسا موطن ملايين الطيور المهاجرة من مختلف بقاع العالم . وباستثناء سكان إمراغن وهم سكان حوض آرغين منذ قديم الزمن، فإن المنطقة لا تعرف زيارة الكثير من الموريتانيين على عكس السياح الوحيدين الذين يتدفقون على المنطقة ويزورون جزيرة تيدرة بانتظام هم وأسراب الطيور المهاجرة التي تتخذ الجزيرة محطة إقامة موسمية . وتتبع تيدرة إداريا لمركز أنوامغار الذي كان تابعا حتى أقل من عشرين سنة لمقاطعة واد الناقة المحيطة بمنطقة العاصمة نواكشوط، قبل أن تلحقه إعادة التنظيم الإداري بولاية انواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد والتي ازدانت جغرافيتها بحوض آرغين الذي اعتبر أخيرا هبة للأرض، بعد أن كان ولا يزال تراثا إنسانيا عالميا، وبعد أن صنف أبناؤه كنوزا بشرية شاهدة على حضارة توشك أن تأفل . إشكالية الموقع إن جزيرة تيدرة الحالية التي نالت الاهتمام قديما بتراثها البشري بوصفها منطلق المرابطين ومكان تأسيسهم الأول، ونالته حديثا بتراثها الحيواني باعتبارها جزءاً من محمية حوض آرغين، أصبحت أمام علامة استفهام كبيرة حول أحقيتها بوسام التاريخ المرابطي بعد أن خرج المؤرخون ليشككوا في كون تيدرة المعروفة حاليا هي بالفعل تيدرة التي أسس بها المرابطون رباطهم . ويقول المفكر والباحث الموريتاني الكبير محمد ولد أحظانا في إحدى مقالاته إذا كان بعض المؤرخين المحدثين يعتقدون أن جزيرة الرباط الأول، الذي نال منه المرابطون تسميتهم، كانت شمال العاصمة الموريتانية الحالية، فإنني أميل إلى قول آخر يفيد أنها موجودة في منطقة الزيرة قرب شاطئ نهر صنهاجة (النهر السنغالي حالياً)، حيث تتوفر المياه العذبة وتتطابق صفاتها مع صفات الجزيرة التي وصفها المؤرخون، إذ تدور بها المياه في فصول من السنة، وهي مناسبة للإقامة الدائمة، بينما لا يمكن أن تعيش أية مجموعة بشرية مهما كانت صلابتها في مكان لا توجد فيه مياه عذبة . ويضيف لذا أستبعد الفرضية القائلة بأن جزيرة تيدرة الحالية هي مكان الرباط الأول للمرابطين . ويقول: أما التسمية التي هي حجة القائلين بالرأي الأول فهي تدل في الصنهاجية على المقبرة، ولذلك قد يكون اللبس الحاصل في أذهان بعض المؤرخين المحدثين نتيجة توارد في التسمية الحالية، فالصفات الطبيعية والجغرافية للمكان الذي التأم فيه أول رباط، ينطبق على شبه الجزيرة الموجودة في أقصى الجنوب الغربي من موريتانيا على شاطئ نهر السنغال (الزيره)، مما يرجح احتمال سقوط الاسم عنها عبر التاريخ؛ بينما تحتفظ الجزيرة الموجودة شمال نواكشوط بالتسمية الملتبسة، التي قد لا تعني أكثر من أنها مكان مقبرة من المقابر الكثيرة . غير أن البعض الآخر يرى أن تديرة قد لا تكون بالضرورة الجزيرة الصغيرة الحالية وإنما قد تكون شريط الجزر المشكل لحوض آرغين كما أن البيئة القاحلة والمياه المالحة التي أوردها البعض كدليل على عدم صلاحيتها للسكن ليست دليلا قطعيا، إذ إنه يرجح أن تكون قد حدثت تغيرات مناخية كبيرة خلال الألف سنة الماضية جعلت الطبيعة تتغير من نمط إلى آخر . لكن الثابت أن تيدرة لم تنل حتى الآن حظها من الاهتمام والدراسة وما لم يقع ذلك فإنها ستبقى مثارا للجدل وسيبقى جزء مهم من ثقافة المكان غائبة عن الأجيال الحاضرة .

autres messages